غزة - فاطمة الزهراء سحويل – " ريال ميديا":
"هداك المرض"، "عافانا الله"، "المرض العاطل"... مسميات مختلفة يعبر بها الناس في المجتمع الغزي عن الاصابة بمرض السرطان، محاولين تجنب ذكر الاسم بشكل مباشر لاعتقادات عديدة، فهل تسمية المرض بمسمى مختلف يعتبر مساعدة حقيقية للمريض أم يحرج المريض ويؤلمه؟
تساءل الشاب عدي جواد باستغراب عن السبب الذي قد يدفعه لاستخدام أحد هذه المسميات، قائلا: "لماذا أليس مرضا قد يصاب به أي شخص كبر أم صغر ويحتمل الشفاء؟ أعتقد أن أي مرض مهما كان نوعه يجب أن يسمى باسمه فاستخدام مثل هذه التعبيرات يؤثر على نفسية المريض، لنوحي له أنه مصابا بمرض مخيف ومعيب، مما يقلل من قوة إرادته على مجابهة المرض، ويجعل الأوهام والمخاوف تتملكه."
تتفق المحاسبة سالي مطر معه في رفض اطلاق توصيفات خاصة بمرض السرطان قائلة: يجب تسميته دون استخدام أوصاف أخرى مثل المرض العاطل أو المرض الخبيث، ببساطة الناس في مجتمعنا تلجأ للمسميات لجهلها بحقيقته وأهمية مواجهته وتتعامل مع المصاب بأنه ميت مع وقف التنفيذ متناسية أن لكل داء دواء، وأن العلم في تطور وهو كغيره من الأمراض التي تصيب الانسان وبالعلاج يشفى منها، وأعتقد أن التسمية الواضحة والمحددة له أحد أهم الطرق العلاجية التي تشكل دعما نفسيا واجتماعيا للمريض دون جعله مرضا محرجا ومخجلا، مع الأسف غالبية من يصاب بمرض السرطان يتعامل أنه كل يوم يسير إلى قبره مع أن الخطوة الأولى قوة الثقة بالله والأمل، فمن كان لديهم أمل وهدف الشفاء تخلصوا من المرض، وكثيرة الحالات التي سمعنا عن تجربة شفائها مثل الفنانة الفلسطينية ريم البنا ومذيعة قناة الجزيرة ايمان عياد وغيرهم كثر فما الداعي إلى استخدام مسميات تفقدنا ضرورة التركيز على العلاج ."
يختلف معهما عرفات أبو حصيرة ويقول:" أنه لا داعي لتسمية "هديك الشغلة" فهي خطيرة ومقلقة، لا يجب تسميته خاصة أمام المريض الذي قد يتأذى فيشعر بشفقة المحيطين، وهناك كثير من المرضى المصابين الذين يتم علاجهم دون اخبارهم بإصابتهم حفاظا على نفسيتهم، أو غيرهم ممن يعرف حقيقة مرضه ويخفيه عن أهله لأن الاصابة قد تشكل حرجا على المصاب سواء كان امرأة أو رجل.
بقلق يضيف أبو حصيرة :" حماتي مصابة بمرض سرطان الثدي وجميعنا يتجنب ذكر المرض أمامها ونحاول تناسيه عند التعامل معها، ويتملكني الخوف على زوجتى عندما تشعر بنخزات متتالية في جسدها قد لا تتعدى كونها نزلات برد، أخشى أن أصحبها إلى المستشفى ، وليس لدى استعداد أن تذهب زوجتي الى الطبيب لتجري الفحص المبكر الذي يتحدثون عنه".
بكلماته العفوية عبر أبو حصيرة عن عدم معرفته بماهية مرض السرطان وأين يتوجه للتخلص من الأفكار المزعجة التي يخشى فيها أن يكون المرض وراثيا، على الرغم أن المؤسسات الأهلية والخاصة عقدت العديد من الأنشطة هذا العام للتوعية والتعريف بمرض السرطان الآخذ بالانتشار في ظل الحصار، خاصة مرض سرطان الثدي.
ووفقا لتقرير وزارة الصحة السنوي يستمر تفشي المرض بمختلف أنواعه ،حيث يتم اكتشاف 75حالة شهريا أي بمعدل 2.5 حالة ، بعض الأطباء أرجع تزايد معدل الاصابات الى الحروب الثلاثة الأخيرة على القطاع، مما جعله المسبب الثاني للوفاة ، إضافة إلى معلومات من مصادر أهلية عن اكتشاف أكثر من 1500 حالة جديدة خلال العام 2015م وحده، أي بمعدل 4.5 حالة في اليوم وبغض النظر عن كلا الرقمين فإنهما يحملان مؤشراً خطيراً لانتشار المرض في قطاع غزة، في ظل غياب خطة قومية أو وطنية لمكافحته والحد من انتشاره، بدعوى عدم توفر أدلة كافية على الأسباب الحقيقية المؤدية لتفشيه وغياب أدوات ومعدات التشخيص اللازمة.
وتبرز صعوبة الحديث عن المرض في قصة أخت عبد الجواد حميد الذي قال:" كثير من الأحيان نطلق عليه دون قصد مرض الموت ، وفي أوقات كثيرة نتساءل هل كانت أختي فعلا مريضة بالسرطان، فمهما اختلفت المسميات النتيجة واحدة، وأن تعرف بأن أقرب الناس إليك مصاب بمرض خطير يشعرك بالعجز، لقد صدمنا باكتشاف مرضها بعد عام من زواجها وأربعة أشهر من ولادة طفلها محمد، تملكنا الحزن وسيطر علينا جميعاً، فنحن ندرك أنه لا مهرب من المرض في ظل غياب الاهتمام الطبي الكافي لعلاجه وقلة الامكانات المتوفرة في القطاع، فبين اكتشاف المرض وبين وفاتها أسبوع واحد فقط".
ويستطرد عبد الجواد بالقول:" لم يكن موقفا سهلا ً،حاولنا رفع معنوياتها قدر الامكان، لكن الأطباء كانوا واضحين معنا حيث بينوا أن العملية التي قاموا بإجرائها فقط لتخفيف آلام صداع الرأس، لأنه كان ورما في منطقة الدماغ يضغط على الأعصاب بقوة، سعينا جميعا لنقلها الى مشفي الأورام السرطانية بالأراضي المحتلة عام 1948 ولكن قبل موعد التحويلة بيوم واحد دخلت في غيبوبة بسبب تفجر الورم في الدماغ."
بألم الفراق يستذكر عبد الجواد الأيام التي كانت تجمعه بأخته الكبرى وساعات تواجدها في غرفة العناية المركزة، موضحا أن العاملين فيها أكدوا عدم جدوى علاجها مما سبب صدمة كبيرة لهم.
في ذات الوقت يبقى المجتمع رافضا لحقيقة وجود المرض فأم ايمان ترفض تسميته و لا ترغب بمعرفة تفاصيله كما يزعجها سماع القصص عنه لتشبهه بمرض الطاعون الذي يحصد أرواح الناس فمن يمرض لا تستطيع إخباره بأنه مريض لتحكم عليه بالموت قبل أن يقتله المرض، أمر لم نعتد على ذكره وليس محبباً تداوله بصراحة تكون منفرة فتسبب الضيق والانزعاج للآخرين.
كما يَرجع تعدد مسميات المرض الى اختلاف المعرفة به حيث يعتقد الشاب توفيق حميد أن الناس تتحرج من تسميته لخطورته مع أنه مرض موجود وهو غير عادي، فالانطباع دائما سلبي بمجرد سماع تسميته لذلك يقول:" ليس بامكاني ذكره أمام المريض أو أمام أحد أقاربه ، فأنا أجد الاسم في حد ذاته ثقيل، فهو مرض قاتل، وفي أغلب الأوقات الناس تخاف منه ، لذلك يصعب ترديده مع أنه قد يدعم المصاب نفسيا، لكن الأنشطة التي يتم تنظيمها حول المرض ساهمت في اقناع المرضى أن بإمكانهم الاستمرار في الحياة وعدم الانعزال عن المجتمع، الذي يخشى في أغلب الأوقات تسمية مرض السرطان بوضوح."
صحيفة صوت المجتمع:
