فلسفة شارع الحياة قراءة في نص "الشارع" للأديب الفلسطيني الكبير أنور الخطيب
تاريخ النشر : 2020-10-06 12:01

يوسف السحار:

عندما تختزل صور الحياة _ بحلوها ومرها، فرحها وترحها، سعادتها وحزنها، كبريائها وانكسارها، إقامتها وتشتتها، ألفتها وغربتها، تمردها وخضوعها_ في ذاكرة شاعر وروح إنسان، فمعنى ذلك أن هناك فلسفة كبرى تنتظر إخراج تلك الصور المختزلة، وهذا ما كان عليه الشاعر الكبير أنور الخطيب عندما أراد كتابة هذا النص المزدحم بالصور المازجة في تركيبتها بين كل تلك المتناقضات، فعبر عن الحياة في سيرتها ومسيرتها، طولها وقصرها، بشارع ملتو، يقف هو على حافة منعطف يعتري إسفلته المنهك من احتكاك عجلات المركبات وقد تركت من الأثر الشيء البالغ فيه، ذلك ما عبرت عنه سيمياء الصورة المرفقة بالنص، شارع يشبه حياة الإنسان المثخن بالجراح والمثقل بالشقاء الحافل بالمنعطفات، والمنهك من احتكاك عجلات من داسوا عليه في حالة انتشاء، وكأن الكاتب الخطيب يعبر عن الحياة بشارع، وأن رحلته فيها أشبه بمرور عابر كان قد وجد فيه: تمردا وعصيانا، وجدارية مزدانة، انكماشا واختزالا هزيلا، مرآة مشروخة، لغز شاعر، وهم بداية وتيه نهاية، هذيانا، أبوة غائبة وأبناء مشردين، كائنات تتبادل الفراغ في أوقات الفراغ، وأملا بعودة على وقع الخداع، فلسفة الشقاء التي عاشها الإنسان//الفلسطيني طوال مسيرة حياته، فما صور في هذا النص من مشاهد، كلها تعبر عن ذات الإنسان المشرد الحالم بكينونة بعد طول معاناة، فيها من التمرد، ولديها من حب الحياة بساطتها الموجودة لدى البائعين والمتسولين وماسحي الأحذية النبلاء، وفيها من الألم انكماشها واختزالها وهزالها وهذيانها، وعندها من الشرخ ما يفصل بينها وبين روحها التي تحلم بتشكلها وتشكيلها ذات يوم، وبها من الألغاز ما عجز الجميع عن تفكيكها وامحائها، ولها من الوهم والتيه ما يعادل تاريخ أمتها التي تنتسب، فهي ذات أب بلا أبناء، وروح أبناء بلا آباء، فجميعهم كائنات تتبادل الفراغ في مقاهي الفراغ، مخدوعون ويخدعون في اليوم ألف مرة ومرة، آملين بعودة على وقع الخداع في دنيا الخداع.