قراءة الناقد المغربي عبد الغني حيدان لقصيدة(مرايا الشام)
تاريخ النشر : 2019-12-23 22:23

عبد الغني حيدان :

نأت بالوصف في أن يحتل مساحة القصيد،فاضطر هذا الوصف للتواري عن قلاع اللفظ،والشاعرة بتشكيلها الممهور لهذا النص،تركت الوصف مركونا على قارعة التجاوز،لتؤلف حالة كشف وتجلي في مفاصل القصيدة،بشحنات اللفظ المحدث،وبانفجار صوت الأفعال الملهبة لكيان القصيدة،هذه الأفعال الإحدى عشر،كانت خليقة بنشاطها المزهر في حقل البوح الشعري للشاعرة' تصويت الأفعال في بنية النص،دلالة حراك القصيدة على منوال التجدد،بإيقاع موسيقي مختلف ومتضارب،من مضمار انطلاقه القاعدي،إلى فضاء أفقه محلقا في عوالمه،التي هي تحديدا عوالم الأديبة.تستهل القصيدة شريطها،بحركة فعل ماضي قريب
"شل ألف مرة دمي" وختام مسك القصيدة..حركة فعل ماضي قريب،...أوقدته مرايا الشام..حركة صعود متدرجة متوترة محفوفةبالتناقضات الدالة على واقع الشاعرة،الوجداني والتاريخي والثقافي،في سياق تقابلات عضوية أقامتها الأديبة كأضلع لبنيان القصيدة،..شل مقابل طاوع..الضوء مقابل الهيام.. البهاء مقابل الغمام..أخبىء مقابل أسكت..غابتان مقابل عصافير..يداي مقابل الكلام...نصفي الجميل مقابل أعين البشر..أخافتني مقابل استبدلت...قلب القمر مقابل مدائن عشق....أجز ضوءه مقابل بريق حسام..فرح العينين مقابل إرث من الوقد..أطفأ مقابل أوقد...وارى مقابل شب..من أعناب وجمر مقابل مرايا الشام...
طبعا ماضي الشاعرة يقابل حاضرها ويطل عليه،والحاضر عنفوان الآتي،كل هذا تحت وطأة مرايا الشام،فلولا مرايا الشام ما كانت يداها غابتين من عشب وخبز لعصافير الكلام،ولولا مرايا الشام ماأسكتت لهاث الغمام،ولولا مرايا الشام ماطاوعها قلب القمر،ولما خبأت عن غيرة بهاءه..قلب القمر يضيء في وطنه أولا،وفي كوكب إنسانيته أولا وأخيرا،هو قمر في وطنيته وإنسانيته،والشاعرة هي من هذا القمرمن ضوئه وبهائه،هي من وطن وإنسانية هذا القمر،لهذا السبب،الشاعرة في رابعة الهيام،تهيم في ضوئه السارح،الذي تملكها،وشل دمها ألف مرة،كناية على إخفاقها في مقاومة بهائه،وعدم الإستطاعة في صد حبها وعشقها له،وهي تدعي جز ضوئه،هو من الشاعرة مجرد إدعاء...لأجز ضوءه...وهي في الواقع لا تستطيع جزه،لكن الشاعرة بقولها هذا تعبر عن مفازات أحزان عالقة ودفينة،حتى في هيامها.شريط الذاكرة أحتفظ بهذا العشق والهيام،فاحتفظت لنفسها به،إنه نصفها الجميل،الذي تخبئ بهاءه عن غيرة،والكاتبة انتقلت كلماتها الشاعرية بدقة وحرفية وبديع قول،حيث وظفت فعل خبأ بدل أخفى..وخبأ الشيء،أي وضعه في مكان يخصه ليحتفظ به،ويحافظ عليه..وأخفى الشيء،أي حجبه عن الآخر،مع نية التستر أو الطمس..والشاعرة غير ما مرة توظف هذه الكلمة في قصيدها،كقصيدتها ..الكرسي الخشبي..أخبىء عن غيرة بهاءه..الشاعرة مسكونة بالعشق المحفوف بالغيرة،ولامحيد لها إلا أن تخبىء هذا البهاء،بنفس العشق والغيرة،هو نصفها الجميل،ذاتها..ولن يعدو نصفها الجميل،سوى نصفها الآخر الذي تعشقه،والذي شلها ألف مرة،في رابعة الهيام،إنه قلب القمر المنير،هو في الأفق البعيد، وهي لاتستطيع القبض عليه،لكن بهاءه ونوره حاضران فيها، يسريان في قلبها ويفرحان عينيها وينديان صدرها،.والغيرة الصادقة دليل وفاء الشاعرة لهذا البهاء،بهذا أعطت الشاعرة لنفسها مساحة التميز عن الغمام ،تلك السحابة البيضاء المحملة بالماء والبرد،تخبىء بهاء القمر وضوءه للحظات.والمفارقة هي أن الشاعرة تخبىء بهاءه عن غيرة،وعلى الدوام،بينما الغمام اللاهث لا يستطيع مجاراة الشاعرة في تخبيء بهائه،الغمام حالة عابرة،والشاعرة كيان نابض قادر عاشق..
لهذه القصيدة المائزة وجهان،وجه متفائل حنون،بندوب حزن دفين،ووجه باسم الثغر،سابحة ملامحه في نهر الهيام،بندى الكلام،كلام المحبة العاشقة،وكل حواسها طيعة لضوء القمر،حيث الشاعرة ،توظف مفهوم القمر كدلالة على الإستمرارية والتوهج والفرح ،كما جاء في قصيدتها الماتعة..(منفاي قصيدة).فأشعل حبري قمرا..يطلع من بين غمام..أرش البياض حرقة..وأرعف..إلى ان تقول..أنضج كروما وخبزا...إلخ..وما جز ضوئه من الشاعرةإلا ضرب انفعال،ولأنه من المحال طابعها قلب القمر،الذي خرج بوقار في ليل متجلي في سكونه ووحشته الدافئة،ليهدأ من روع الشاعرة،ويفك لغز أشجانها،وهي الساعية لتخصيب عشقها وتأصيله،بالقول المجاز المنحاز بجميل الكلام،وإنباته بيدين مشبوبتين بشجر وشدو الحب والهيام..يداي كانتا غابتين....من عشب وخبز... لعصافير الكلام...أما الوجه الآخر للقصيدة،فوجه جليس توتر وقلق دفين وخوف ،وإصرار وعزم وإباء وتحد وأمل..أخافتني أعين البشر...وكلمةالبشر انوجدت بصيغتها العامة من حيث اللفظ وتأويلها في سياق المعنى..لم تقل الشاعرة :أخافتني أعين القوم ؛أو البشرية..بل..أخافتني أعين البشر..البشر نقيض البشرية والإنسانية..البشر من وجهة نظر الأديبة،أولئك الذين يفتقدون لحس المؤانسة،والحرص على تعميم قيم الحب،وصيانة الذوات..هي الشاعرة قلقة متوترة،من وضع وسط عام،لم ينصف الشاعرة في التعبير عن أحلامها وحبها ورغباتها،بكل تلقائية.