الخميس 16 ابريل 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 2.96 2.98
    الدينــار الأردنــــي 4.24 4.26
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.53 3.55
    الجـنيـه المـصــري 0.053 0.055

عاجل

  • الدولار يستمر بالانخفاض أمام الشيكل وسعر الصرف اليوم يصل إلى 2.98

  • واشنطن بوست:"أمريكا ترسل 10,000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، و6,000 منهم على متن حاملة الطائرات USS جورج بوش."

  • مجلس الأمن القومي الروسي يحذر: "المفاوضات الأمريكية مع إيران قد تكون واجهة للتحضير لغزو بري."

  • الرئيس اللبناني يرفض التحدث مع نتنياهو

  • هآرتس: الجيش الإسرائيلي يستعد لوقف إطلاق النار الليلة في لبنان

هندسة الروح في مرايا اللون قراءة في تجربة الفنان التشكيلي حسن عبود

  • 11:04 AM

  • 2026-04-16

أميرة ناجي*:

هناك تجارب فنية لا تدخل العين مباشرة بل تعبر أولا عبر منطقة خفية من الإحساس حيث يصبح اللون لغة داخلية ويتحول الشكل إلى أثر نفسي قبل أن يكون بناء بصريا. في تجربة الفنان التشكيلي حسن عبود تنفتح اللوحة على فضاء تأملي يجعل المتلقي أمام حالة من الإصغاء البصري العميق وكأن العمل لا يعرض مشهدا بل يقترح تجربة وجودية كاملة تتشكل بين الصمت والحركة وبين الامتلاء والغياب. هنا لا تقف اللوحة عند حدود الرؤية بل تتجاوزها نحو إدراك داخلي يجعل المتلقي شريكا في إنتاج المعنى لا مشاهدا فقط.

يقول الفنان الألماني بول كلي:

الفن لا يعيد إنتاج المرئي بل يجعلنا نرى

هذه العبارة التي تبدو بسيطة تحمل جوهر التحول الذي أحدثه الفن الحديث حين انتقل من تمثيل الواقع إلى كشف طبقاته غير المرئية. وعند تأمل أعمال حسن عبود تتجسد هذه الفكرة بوضوح إذ لا يسعى العمل إلى إعادة العالم كما هو بل إلى خلق عالم آخر يولد من تفاعل اللون مع الذاكرة ومن انكسار الشكل داخل فضاء تجريدي غني بالإيحاءات. اللوحة عنده ليست سطحا شكليا بل مجالا للبحث عن حقيقة شعورية تتشكل تدريجيا عبر التراكم اللوني والحذف المقصود.

تبنى أعماله على توازن دقيق بين الكتلة والفراغ حيث تظهر العناصر وكأنها في حالة عبور دائم. الأشكال نصف المتوارية تمنح الإحساس بالحركة المستمرة بينما المساحات اللونية الواسعة تؤسس حالة من السكون التأملي. هذا التوتر بين الحركة والسكون يمنح العمل طاقة داخلية تجعل المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة. المتلقي لا يجد إجابة جاهزة بل يدخل في حوار بصري طويل مع العمل.

من الناحية التقنية يعتمد حسن عبود على بناء طبقات لونية متراكبة تسمح بظهور العمق من خلال الشفافية الجزئية وتداخل الدرجات. اللون لا يوضع دفعة واحدة بل يمر بمراحل إنشائية تتراكم فيها اللمسات حتى تتولد البنية النهائية. هذه الطريقة تمنح السطح حساسية ملمسية تجعل الضوء جزءا من التكوين وليس عنصرا خارجيا. تتجاور الألوان الحارة مع الباردة في علاقة محسوبة تمنع الصدام وتخلق انسجاما داخليا قائما على التوازن لا على التشابه.

كما يظهر اهتمام واضح بالبناء الهندسي الذي يظل خفيا خلف الانسياب اللوني. هناك إحساس بأن كل عنصر يحتل مكانه وفق نظام دقيق حتى في أكثر اللحظات عفوية. هذه الثنائية بين الحرية والانضباط تكشف وعيا تقنيا عميقا يجعل التجربة بعيدة عن الارتجال العابر. الخطوط المضمرة داخل العمل تؤدي دورا تنظيميا يمنح العين مسارا بصريا يقودها من مركز اللوحة نحو أطرافها ثم يعيدها إلى نقطة التأمل الأولى.

أما على المستوى الأكاديمي فتستند تجربة حسن عبود إلى معرفة راسخة بأسس الرسم والبناء التشكيلي. يظهر أثر الدراسة المنهجية في قدرته على التحكم بالتوازن البصري وفي فهم العلاقات بين الكتلة والفراغ وبين الضوء والظل. الأكاديمية هنا لا تقيد الخيال بل تمنحه قاعدة صلبة تسمح بالتجريب الواعي. لذلك تبدو الأعمال متحررة ظاهريا لكنها قائمة على فهم عميق لقوانين التكوين.

تنتمي تجربته إلى روح المدرسة التجريدية التعبيرية التي ترى في اللون طاقة نفسية قادرة على نقل الانفعال الإنساني دون الحاجة إلى سرد مباشر. غير أن هذه التجربة لا تنغلق داخل إطار أسلوبي واحد بل تنفتح على حس معاصر يدمج التجريد بالبناء الرمزي بحيث تتحول الأشكال إلى إشارات دلالية تلمح أكثر مما تصرح. هذا الانفتاح يمنح العمل قدرة على التواصل مع ذائقات متعددة دون أن يفقد هويته الخاصة.

في أعماله يتراجع الموضوع لصالح الإحساس بينما تتقدم التجربة الشعورية لتصبح مركز الفعل الفني. المشهد لا يروي قصة محددة بل يخلق حالة وجدانية تستدعي ذاكرة المتلقي الشخصية. لهذا تبدو كل مشاهدة جديدة للعمل اكتشافا مختلفا لأن اللوحة لا تستقر على معنى واحد بل تظل قابلة لإعادة القراءة باستمرار.

إن تجربة حسن عبود تقدم نموذجا للفن الذي يبحث عن العمق بدل الضجيج وعن التأمل بدل المباشرة. إنها تجربة تؤمن بأن الجمال ليس في اكتمال الشكل بل في المسافة التي يتركها العمل كي يشارك المتلقي في بنائه. وهنا يتحقق المعنى الحقيقي للفن حين يتحول اللون إلى لغة صامتة قادرة على قول ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه. بهذه الروح تظل أعماله فضاءات مفتوحة للحلم ومجالات حرة لاكتشاف الذات داخل مرايا اللون.

* بغداد:

*ناقدة وفنانة تشكيلية:

*لندن - مجلة UNIVERSAL COLOR (ألوان كونية )

 

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات